تخيل أن تستيقظ غدًا، فلا تجد بين يديك إلا النِّعم التي شكرت الله عليها بالأمس.
كم نعمةً ستبقى معك؟
إنه سؤال بسيط، لكنه يكشف حقيقةً عميقة. فنحن نعتاد ما نملك بسرعةٍ مذهلة؛ حتى يصبح المألوف غير مرئي. نستيقظ كل صباح ونحن نتنفس دون عناء، ونمشي دون تفكير، ونرى، ونسمع، ونأكل، ونتحدث، وكأن كل ذلك حقوقٌ مكتسبة لا هبات تستحق الامتنان.
لكن الحقيقة أن الإنسان لا يعاني دائمًا من قلة النِّعم، بل كثيرًا ما يعاني من ضعف الإحساس بها.
ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم "التكيّف المتع" (Hedonic Adaptation)، وهي ميل الإنسان إلى الاعتياد على النِّعم بعد فترة قصيرة، مهما كانت عظيمة. فبعد الحصول على وظيفةٍ جديدة، أو منزل، أو سيارة، أو حتى بعد تحقيق حلمٍ طال انتظاره، يعود مستوى الرضا تدريجيًا إلى ما كان عليه. ليس لأن النعمة فقدت قيمتها، بل لأن العقل اعتاد وجودها، فتوقف عن الالتفات إليها.
ولهذا، فإن المشكلة ليست في أن الله يقلل عطاياه، وإنما في أن أعيننا تعتادها.
وقد أظهرت أبحاثٌ رائدة أجراها عالما النفس روبرت إيمونز ومايكل ماكولو أن الأشخاص الذين اعتادوا تدوين ثلاثة إلى خمسة أشياء يشعرون بالامتنان لها كل أسبوع، أظهروا مستويات أعلى من الرضا عن الحياة، وتفاؤلًا أكبر، وتحسنًا في جودة النوم، مقارنةً بمن ركزوا على المشكلات أو الأحداث اليومية المحايدة.
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه يكشف حقيقةً مهمة: الامتنان ليس مجرد شعور، بل تدريبٌ للعقل على ملاحظة الخير.
غير أن الامتنان لا يعني تجاهل الألم، ولا إنكار الصعوبات، ولا إقناع النفس بأن كل شيء مثالي. فالإنسان قد يكون مثقلًا بالهموم، ومع ذلك يجد سببًا واحدًا يحمد الله عليه. والفرق كبير بين من يرى في حياته مشكلاتٍ فقط، ومن يرى أنها تضم مشكلاتٍ ونعمًا في الوقت نفسه.
تأمل حال إنسانٍ يشكو من ازدحام الطريق لأنه يقود سيارته إلى عمله، بينما يتمنى آخر فرصة عمل أصلًا. وتأمل من يتذمر من كثرة مسؤوليات أطفاله، بينما يقضي غيره سنواتٍ يدعو الله أن يرزقه طفلًا واحدًا. إن النعمة لا تتغير، وإنما تتغير زاوية النظر إليها.
ولذلك، فإن استشعار النِّعم يبدأ بالتوقف عن مطاردة ما ينقصنا للحظات، والالتفات إلى ما يحيط بنا بالفعل.
أن تشرب كوبًا من الماء وأنت تتذكر أن ملايين البشر لا يحصلون على ماءٍ نظيف بسهولة.
أن تتنفس بعمق، فتدرك أن هناك من يتمنى شهيقًا لا يقطعه المرض.
أن تسمع صوت من تحب، فتتذكر أن آخرين لا يملكون فرصةً لسماع أصوات أحبّتهم مرةً أخرى.
هذه ليست دعوةً للمقارنة، بل دعوةٌ إلى الوعي.
وقد أثبتت دراسات في علم الأعصاب أن ممارسة الامتنان بانتظام تنشط مناطق في الدماغ ترتبط بالمشاعر الإيجابية، والتعاطف، واتخاذ القرارات، كما تسهم في تقليل التركيز المفرط على الضغوط والمشاعر السلبية. ومع مرور الوقت، يصبح العقل أكثر قدرةً على ملاحظة الجوانب المضيئة في الحياة، دون أن ينكر وجود الظلام.
وفي ديننا الإسلامي، لم يكن الامتنان مجرد خلقٍ حسن، بل كان عبادةً. قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. ولم يقل: لئن امتلكتم أكثر. وكأن الزيادة تبدأ من الشكر قبل أن تبدأ من الزيادة في العطاء.
إن الامتنان لا يغير الماضي، ولا يمحو الابتلاءات، لكنه يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة. فهو يشبه نافذةً يدخل منها الضوء إلى غرفةٍ لم تكن مظلمة تمامًا، وإنما كنا قد أغلقنا ستائرها.
وفي النهاية، ربما لا ينقصنا المزيد من النِّعم بقدر ما ينقصنا المزيد من الوعي بها. فكم من نعمةٍ نعيشها اليوم، ستكون غدًا أمنيةً لو فقدناها.
لذلك، قبل أن تنام الليلة، لا تسأل نفسك: ماذا ينقصني؟ بل اسأل: ما الذي أملكه اليوم، وسأبكي يومًا لو أصبح ذكرى؟
زينب خالد


الحمد لله على كل شيء ✨