كم مرة سامحتَ غيرك على خطأٍ صغير، ثم وقفت أمام خطئك أنت كقاضٍ لا يعرف الرحمة؟
قد ينسى الإنسان إساءةً صدرت من شخصٍ قريب، ويلتمس له العذر، بحجة أنه ربما كان يمر بظرفٍ صعب لكنه إذا أخطأ هو، ولو زلةً يسيرة، حاصر نفسه باللوم، واستحضر كل عيوبه، وكأن خطأً واحدًا كافٍ ليُسقط تاريخه كله. وهنا يبرز سؤالٌ يستحق التأمل: لماذا نعامل أنفسنا بقسوةٍ لا نرضاها حتى لمن حولنا؟
إن أكثر المعارك ضراوةً ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل تلك التي تدور في أعماقنا بصمت. فهناك صوتٌ داخلي لا يتعب من المحاسبة، يذكّرنا بما أخفقنا فيه، ويضخّم عثراتنا، ويختزل قيمتنا في لحظات الفشل، حتى نظن أننا أقل مما نحن عليه حقيقة.
تؤكد دراسات في علم النفس أن الإنسان يميل إلى ممارسة النقد الذاتي بدرجة تفوق نقده للآخرين، وأن هذا الميل قد يرتبط بارتفاع القلق، وانخفاض تقدير الذات، وزيادة احتمالات الإرهاق النفسي. والمفارقة أن كثيرًا من الأشخاص الذين يعاملون الناس برفقٍ بالغ، يعجزون عن منح أنفسهم القدر نفسه من الرحمة.
لكن، من أين تأتي هذه القسوة؟
في كثير من الأحيان، تبدأ منذ الطفولة؛ حين يعتاد الإنسان أن يُمدح فقط عند الإنجاز، وأن يُنتقد عند أول تقصير. يكبر وهو يعتقد أن قيمته ليست ثابتة، بل تُكتسب بالأداء المثالي، وأن الخطأ ليس تجربةً يتعلم منها، بل دليلٌ على نقصه. وهكذا، كلما تعثر، لم يقل: "لقد أخطأت." بل قال في داخله: "أنا فاشل."
ثم يأتي المجتمع ليضيف عبئًا آخر. فنحن نرى نجاحات الآخرين، ولا نرى كواليس تعبهم ولا لحظات انكسارهم. نقارن بداياتنا بنهاياتهم، ونحمّل أنفسنا معايير لا نطلبها من أحد سوانا. فإذا أخفق صديقنا، شجعناه وقلنا له: "هذه مجرد مرحلة." أما إذا أخفقنا نحن، أقنعنا أنفسنا أن الطريق قد انتهى.
ولعل أغرب التناقضات أن الإنسان يصبح محاميًا بارعًا حين يدافع عن غيره، لكنه يتحول إلى أشد المدّعين قسوةً حين يحاكم نفسه. يبرر للآخرين ظروفهم، لكنه لا يعترف بظروفه. يغفر لهم لأنهم بشر، وينسى أنه بشر مثلهم.
إن القسوة على النفس لا تصنع إنسانًا أقوى، بل تصنع إنسانًا خائفًا من التجربة، مترددًا في اتخاذ القرار، يرى في كل خطأ تهديدًا لكرامته، لا فرصةً لنضجه. فالحديد لا يشتد لأنه يُكسر، وإنما لأنه يُشكّل بحكمة. وكذلك الإنسان؛ لا ينمو بالجلد المستمر، بل بالمراجعة الصادقة التي لا تهين كرامته.
وليس المقصود من الرحمة بالنفس أن نتخلى عن المسؤولية أو نبحث عن الأعذار لكل تقصير، فذلك لونٌ آخر من الخداع. وإنما المقصود أن نفرّق بين محاسبة النفس وإهانتها. فالأولى طريقٌ للإصلاح، أما الثانية فطريقٌ للاستنزاف.
تخيل أن صديقًا عزيزًا جاءك نادمًا لأنه أخطأ في عمله، أو فشل في تحقيق هدفٍ سعى إليه طويلًا. هل ستقول له إنه عديم القيمة، وإن مستقبله انتهى، وإنه لا يستحق فرصةً أخرى؟ على الأرجح لن تفعل. بل ستذكّره بما أنجز، وستهوّن عليه، وستمنحه أملًا جديدًا. فلماذا تحرم نفسك من الكلمات التي تمنحها بسخاء لغيرك؟
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الإنسان يقضي حياته كلها بصحبة نفسه. فإن جعل من داخله ساحةً للاتهام الدائم، فلن يجد راحةً حتى لو صفق له العالم بأسره. أما إذا تعلّم أن يكون عادلًا مع نفسه، فإن عثراته ستصبح دروسًا، لا أحكامًا نهائية.
وربما لا يحتاج معظمنا إلى مزيدٍ من جلد الذات، بل إلى شيءٍ من الإنصاف. أن نعترف بأخطائنا، نعم، لكن دون أن نحولها إلى تعريفٍ لهويتنا. فالخطأ فعل، وليس شخصية. والإخفاق محطة، وليس مصيرًا.
وفي النهاية، اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: إذا كنتَ تمنح الآخرين كل هذا التفهم والرحمة، فما الذي يمنعك من أن تمنح نفسك جزءًا مما تمنحه لهم؟
لعل أعظم أشكال النضج ليست أن تصبح أكثر صرامةً مع ذاتك، بل أن تصبح أكثر عدلًا معها. فالنفوس لا تزهر بالقسوة، وإنما تنمو حين تُحاسَب بحكمة، وتُقوَّم برفق، وتُمنح فرصةً جديدة كلما تعثرت.
زينب خالد


واوو واوو خيالل حتى كلامك وكل شي الصراحه كلامك مُؤثر فعلا!