قد يدخل طفلان إلى ساحة اللعب لأول مرة، يختلف لون بشرتهما، وتختلف ملامحهما، وربما لغتهما أيضًا. ومع ذلك، يلعبان معًا دون أن يسأل أحدهما الآخر: من أي عرق أنت؟ أو أي لون تحمل؟
ثم يكبران...
وفجأة، يصبح اللون سببًا للتفوق، والأصل مبررًا للازدراء، واللهجة معيارًا للحكم على العقول، وأحيانًا يتحول الاختلاف في الدين إلى سببٍ للكراهية والإقصاء. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالعرق وحده، بل بالطبيعة البشرية نفسها: هل يولد الإنسان عنصريًا، أم أنه يتعلم العنصرية؟
الحقيقة التي يؤكدها علماء النفس والاجتماع هي أن العنصرية ليست غريزة فطرية، بل فكرة مكتسبة. فالطفل لا يعرف معنى التفوق العرقي، ولا يدرك أن لونًا أفضل من آخر، أو أن نسبًا أرفع من غيره. هذه الأحكام يتلقاها مع الزمن، من الأسرة، أو المجتمع، أو الإعلام، أو التجارب المشوهة التي تُعمم على ملايين الأبرياء.
ومن هنا تبدأ العقدة.
العنصرية لا تنشأ دائمًا من القوة، بل كثيرًا ما تنشأ من الخوف. فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إقناع الآخرين بأنه أفضل منهم، أما من يعاني فراغًا داخليًا، فقد يبحث عن أي صفة لم يخترها بنفسه ليبني عليها شعورًا زائفًا بالتفوق؛ لون البشرة، أو العرق، أو القبيلة، أو الجنسية.
إنه أشبه بمن يقف على تل صغير، ثم يقنع نفسه بأنه أعلى من الجميع، لا لأنه ارتفع كثيرًا، بل لأنه يخشى النزول إلى أرض المساواة.
ولهذا، فإن العنصرية ليست دليلًا على عظمة صاحبها، بل كثيرًا ما تكون دليلًا على هشاشته النفسية. فالإنسان الذي يعرف قيمة نفسه لا يحتاج إلى التقليل من قيمة غيره حتى يشعر بالتميز.
ولعل أكثر ما يجعل العنصرية خطيرة أنها لا تؤذي ضحاياها فقط، بل تفسد نظرة صاحبها إلى العالم. فهو يتوقف عن رؤية الإنسان بما يحمله من أخلاق وعلم وإنجاز، ويبدأ في اختزاله في لون، أو ملامح، أو اسم، أو لهجة. وهكذا، يتحول العقل من أداة للمعرفة إلى سجنٍ للأحكام المسبقة.
وقد أثبت التاريخ مرارًا أن الحضارات لم تُبنَ على يد عرق واحد، ولم يحتكر شعب واحد العلم أو الأدب أو الاكتشاف. فالإنجاز الإنساني كان دائمًا ثمرة تنوع الشعوب، وتبادل الثقافات، وتكامل الخبرات. وكلما ازداد المجتمع انفتاحًا على الاختلاف، ازدادت قدرته على الإبداع والتطور.
ومن المفارقات أن الإنسان لا يملك أي فضل في العِرق الذي وُلد فيه، ولا في لون بشرته، ولا في لغته الأم. إنها أمور لم يخترها، ومع ذلك نجد من يجعلها سببًا للفخر أو سببًا للاحتقار. فكيف يُبنى التفوق على شيء لم يكن للإنسان أي يدٍ في اكتسابه؟
أما الأخلاق، والعلم، والاجتهاد، والصدق، فهي اختيارات. ولذلك، فهي وحدها التي تستحق أن تكون معيارًا للتقدير.
إن أخطر ما في العنصرية أنها تبدأ بكلمة ساخرة، أو نكتة عابرة، أو وصفٍ استعلائي يظنه البعض بسيطًا، لكنها مع الزمن تتحول إلى قناعة، ثم إلى سلوك، وربما إلى ظلمٍ يحرم إنسانًا من فرصة أو حق، فقط لأنه وُلد مختلفًا.
ولهذا، فإن محاربة العنصرية لا تبدأ بالقوانين وحدها، بل تبدأ من طريقة تفكيرنا. من السؤال الذي نطرحه على أنفسنا قبل أن نحكم على أحد: هل أنا أراه كما هو، أم كما رسمته الصور النمطية في ذهني؟
لقد خلق الله البشر مختلفين، لا ليتفاخر بعضهم على بعض، بل ليتعارفوا ويتكاملوا. فالاختلاف ليس خللًا في البشرية، بل أحد أسرار جمالها. ولو تشابهت الوجوه، والألوان، والثقافات، لفقد العالم جزءًا كبيرًا من ثرائه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا دائمًا:
إذا كان الإنسان لا يختار لون بشرته ولا أصله، فبأي منطق يُحاسَب على شيء لم يكن له فيه أي اختيار؟
لعل أعظم درجات الرقي ليست أن ترى الناس متشابهين، بل أن ترى اختلافهم، ثم تدرك أنه لا ينتقص من إنسانيتهم شيئًا، ولا يزيد من إنسانيتك شيئًا.
زينب خالد


شكرا على المقال الرائع
كلام في الصميم و هذا لا يدل الا على رقي الكاتبة و ثقافتها، شكرا على هذا المقال الرائع ، كل الدعم 💛✨